الرئيسية » اخبار ساخنة » و من الدقيق ما قتل…

و من الدقيق ما قتل…

9

الجيلالي الطويل

أريد أن أبدأ كلامي قبل الخوض في أي تحليل أو تعليق على فاجعة الصويرة، بالترحم على أرواح الشهداء الذين أودت بحياتهم حفنة دقيق مرة، مترجيا من الله العلي القدير أن يسكنهم فسيح جنانه، حيث لا تدافع ولا ضحايا من أجل لقمة عيش تودي بحياة الأبرياء.

بداية الحكاية

بدأت فصول حكاية الفاجعة بمسرح كبير إسمه السوق الأسبوعي لمركز “سيدي بولعلام”، و كان للممثلين الرئيسيين في الحكاية دور توزيع المساعدات على المحتاجين و الفقراء، الذين كانوا عبارة عن “كومبارس” لهم أدوار ثانوية، بهذه “المهزلة الإجتماعية”، لكن حضورهم كان ضرورياً من أجل التقاط الصور و تأتيث المشهد، و خلق “البروباكاندا” الإعلامية للجهة المنظمة لهذا المأتم الجماعي.

و هكذا كان و ما إن نادى “البراح”، في الناس و تسللت كلمة الخبز إلى آذانهم، حتى هرولو مسرعين إلى ساحة الموت، ليتفاجئوا بأن الدقيق الذي كان من المفترض أن يسد رمقهم هو نفسه المذل لكرامتهم، و الحاط من إنسانيتهم، و المودي بحياتهم التي قدستها كل المعتقدات، و كل الديانات السماوية و الوضعية.

السلطات المحلية تتحمل المسؤولية بالتزامها الحياد السلبي 

و بعد أن أخذ كل ممثل باسم المساعدات الإنسانية، و ضاحك على دقون الفقراء مكانه، في هذا الفصل الدرامي من الحكاية الأليمة، نجد خارج المسرح السلطات المحلية تتفرج على الناس، و هم يتدافعون و يرفس بعضهم بعضاً، في مشهد تراجيدي تقشعر له الأبدان، و تندى له أجبنة من يحترمون كرامة المواطن في وطن لم يستطع حتى توفير “خبز حافي”، لأبناءه.

و أعتقد أن السلطة المحلية لمركز “سيدي بولعلام”، تتحمل مسؤولية كييرة، و مسؤوليتها تتجلى في سماحها لجمعية “أغيسي” لتحفيظ القرآن، بتوزيع مساعدات يقال عنها “إنسانية” و إن كنت لا أعتبرها كذلك، دون ترخيص منها (السلطة)، علماً أن نفس المصالح كانت تمنع احتجاجات لأناس كانوا ينادون بالكرامة و العيش الكريم ورفع الظلم و الحيف و التسلط بدعوى أنها غير مرخصة.

و من هنا كان لابد من أن نساءل أنفسنا جميعاً و السؤال في مثل هكذا موقف مشروع، لأنه يجعلنا نسبر أغوار الحقائق و نحرك المياه الراكدة، لكي نضع الأصبع على السبب الرئيسي الذي يقف وراء إزهاق الأرواح، و كذلك لكي نسمي الأشياء بمسمياتها الحقيقية دون تمييز ولا انتصار لجهة دون أخرى.

الحكومة تتحمل دماء شهداء الدقيق

و بعد الفاجعة التي أودت بحياة خمس عشرة امرأة، و نقل خمس أخريات في حالات حرجة إلى المستشفى من أجل تلقي الإسعافات الأولية، خرج مصطفى الخلفي، الوزير المنتدب لدى رئيس الحكومة المكلف بالعلاقات مع البرلمان و المجتمع المدني الناطق الرسمي باسم الحكومة، بتصريح يؤكد من خلاله على أن الحكومة تتحمل مسؤولية دماء الشهداء الذين أودت بحياتهم حفنة من الدقيق.

فعلاً هذه جرأة كبيرة من السيد الوزير الذي اعترف بمسؤولية الحكومة التي يمثلها، لكن الخفي في الموضوع هو من أعفى رئيس الجمعية من الحصول على ترخيص من أجل توزيع المساعدات بطريقة قانونية؟ و من هي جمعية “أغيسي لتحفيظ القرآن “؟ وهل تربطها علاقة بالجناح الدعوي لحزب العدالة و التنمية؟. كل هذه الأسئلة طبعاً ليست لها أجوبة لحد الساعة إلا أن تأذن التحقيقات بذلك و التي نتمنى أن تحاسب المسؤول الحقيقي عن الفاجعة.

الوزارة الوصية و جمعيات و أحزاب فضلوا الصمت عن الكلام المباح

و كعادتها خلال كل فاجعة تفضل الوزيرة بسيمة الحقاوي، وزيرة الأسرة و التضامن و التنمية الإجتماعية، النأي بنفسها عن الدخول في متاهات قد تجر عليها الويلات من طرف من تعتبرهم السيدة الوزيرة، أناس يترصدون زلاتها، إذ لم تحرك ساكناً و لارفعت صوتاً و لا كتبت بياناً تعزي فيه النسوة اللواتي أهدين أرواحهن للدقيق من أجل سد الرمق.

ولا يختلف موقف الحقاوي عن الجمعيات التي تدعي أنها تدافع عن حقوق النساء، من أجل أن تتسلق على أرواحهن الدرجات و السلالم بغية الحصول على مناصب و امتيازات فانية، إذ لم يسمع لهذه الدكاكين الإجتماعية صوت و لو بتعزية أو وقفة رمزية ترحماً على شهيدات سوق “سيدي بولعلام”. و ما يقال عن الجمعيات ينطبق عن الأحزاب التي لا تمثل إلا نفسها، إلا بعض الإستثناءات من بعض أحزاب الأغلبية التي نعت الشهيدات من خلال بيانات.

و في النهاية لم يتبقى لنا إلا أن نقول حسبنا الله و نعم الوكيل في من يعرض حياة الناس للموت بسبب كسرة خبز، ورحم الله الشهداء و أسكنهم جناته و ألهم ذويهم الصبر و السلوان.

انشر